33221

د. عبد القادر حلمى و محمد مرسى العياط

بقلم : ضرار بالهول الفلاسى

فى عددها الصادر يوم 11 يونيو 1989 ، نشرت صحيفة نيويورك تايمز تفاصيل الاتفاق الذى تم بين الباحث المصرى عبد القادر حلمى ، والادعاء العام فى مدينة ساكرامنتو عاصمة ولاية كاليفورنيا ، والذى يعترف فيه أمام القاضى بول راميريز بالتهمة الرئيسية الموجهة له ، وهي تهريب مواد عسكرية دون تصريح ، مقابل إسقاط عدد من التهم الفرعية ، وحكم عليه بالسجن والغرامة والإقامة الجبرية بعد السجن .

كانت تلك إحدى الحلقات الأخيرة فى محاكمة عبد القادر حلمى ، الأكاديمى والمهندس والعالم المصرى ، ولكن لكى نعرف أهمية ما كان يقوم به هذا الرجل بالنسبة للقدرات الدفاعية المصرية ، دعونا نقرأ ما ورد فى تقرير أعدته وكالة استخبارات الدفاع “دى آى ايه” للكونغرس الأميركى عام 1992 عن هذه القضية .

حيث يقول التقرير إن المواد والتكنولوجيات التى كانت بحوزة عبد القادر بهدف “التهريب” إلى مصر ، كافية لإنتاج صواريخ بالستية متوسطة المدى عالية التدمير ، يمكنها أن تحمل رؤوسا نووية وحتى كيماوية ، وتتجاوز منظومات صواريخ الباتريوت بكل سهولة .

تخرج عبد القادر حلمى فى الكلية الفنية العسكرية عام 1970 قسم الهندسة الكيميائية ، ثم ابتعث إلى الأكاديمية العسكرية السوفييتية ليحصل على درجتى الماجستير والدكتوراه فى تطوير أنظمة الدفع الصاروخى ومكونات الصواريخ الباليستية ، وعاد إلى مصر عام 1975 . وفى تلك الفترة كانت مصر بدأت برنامجا طموحا لتطوير تقنياتها فى الإنتاج الحربى وإمكانيات الردع الصاروخى .

لذلك سعت المخابرات الحربية التى كان يقودها اللواء عبد الحليم أبو غزالة (المشير فيما بعد) إلى زرع عالم مصرى فى محيط الصناعات الدفاعية الأميركية عالية السرية ، وهو أمر كان سهلا آنذاك نظرا لرغبة الأميركان فى الاستفادة من التأهيل الأكاديمى لعبد القادر حلمى ، باعتباره خريج الأكاديمية العسكرية السوفييتية في نفس المجال . وبعد إعفائه من الخدمة العسكرية ، حصل حلمى على عمل كخبير صواريخ فى كندا أواخر السبعينات ..

وبعد ذلك انتقل إلى إحدى الشركات الدفاعية الأميركية ، وهى شركة تيليداين المتخصصة فى إنتاج أنظمة الدفع الصاروخى ، حيث عمل فيها على منظومات الدفع الصاروخى لمكوك الفضاء ، وعلى بعض أنماط القنابل الارتجاجية المتقدمة .

مع بداية الثمانينات ظهر على خارطة الطموحات المصرية مشروع الكوندور ، وهو مدفع عملاق لإطلاق صواريخ بالستية متوسطة المدى ، بالتعاون مع العراق والأرجنتين ، ولعب عبد القادر دورا مهما فى توفير بعض البحوث السرية والبرمجيات الخاصة بالمشروع ، من خلال موقعه في الولايات المتحدة ، قبل أن ينتقل للمرحلة التالية التى تمثلت فى تزويد المشروع بمادة الكربون الأسود ، التي تحمى الصاروخ من اكتشاف الرادارات له ، إضافة لزيادة سرعته .

لاحظوا هنا أن البرنامج كان يهدف إلى تزويد الجيشين المصرى والعراقى بقدرات ردع صاروخية متقدمة ، تواجه الترسانة الضخمة للعدوين الأبرز إسرائيل وإيران ! ولكن تذكروا أيضا من كان الحليف التنظيمى الأبرز لإيران فى المنطقة ؟ وما هو التنظيم الأكثر خدمة للأهداف الإسرائيلية ؟

ويبدو أن البرنامج كان يتجاوز المدفع العملاق “بابل” إلى شئ أكبر ، ففى 7 فبراير 2011 ، أى فى غمرة أحداث ثورة 25 يناير ، بثت شبكة إن بى سى الأميركية تقريرا لروبرت ويندروم ، معد التحقيقات الخاصة فى الشبكة ، عن ترسانة الأسلحة المصرية نقل فيه عن عبد القادر حلمى قبل عودته إلى مصر ، أن ذلك البرنامج كان فى الواقع جزءا من مخطط أكبر يهدف لبناء القدرات النووية الرادعة للجيش المصرى .

كان الإخوان فى تلك الفترة يقفون موقفا معاديا للعراق ومتحالفا مع ما يسمى “الثورة الإسلامية فى إيران” ، محاولين الترويج لفكرة أن حرب الثمانى سنوات بين العراق وإيران كانت مؤامرة على الإسلام ، ولكنهم فى نفس الوقت كانوا متورطين حتى آذانهم مع مخططات المخابرات الأميركية لإشعال المنطقة ، من خلال لعبهم دور الأداة التنفيذية والترويجية الأولى لتصفية الحسابات الأميركية الروسية فى أفغانستان .

ويبدو أن هذا التحالف الصامت سمح لهم بممارسة بعض من أفظع الخيانات وأبشعها تجاه أوطانهم وشعوبهم ، كما يتضح من دورهم فى هذه القضية الذى لم يكن اللاعب الأبرز فيها سوى الرئيس المصرى المخلوع محمد مرسى ، خاصة وأن قيادة الإخوان وقتها (النصف الأول من الثمانينات) كانت تريد تصفية ثأر كبير مع الرئيس المصرى الجديد وقتها حسنى مبارك وبعض القيادات الأمنية والعسكرية ، لاستكمال ما بدأه خالد الإسلامبولى يوم 6 أكتوبر 1981 حين اغتال الرئيس السادات .

ما علاقة هذا الموضوع بمحمد مرسى ؟ فى العام 1975 التحق محمد مرسى بالقوات المسلحة المصرية لأداء الخدمة الإلزامية ، وباعتباره حاصلا على بكالوريوس الهندسة الكيميائية ، تم فرزه إلى سلاح الحرب الكيماوية فى نفس السنة التى عاد فيها الدكتور عبد القادر حلمى من الأكاديمية العسكرية السوفييتية ، والتحق بالجيش المصرى فى مجال الإنتاج الحربى مستفيدا من شهادته فى الهندسة الكيميائية . هناك كانت التقاطعات الأولى لعلاقة الرجلين محمد مرسى وعبد القادر حلمى ، ثم ما لبثت طرقهما أن افترقت .

فانخرط حلمى فى أنشطة عسكرية أكثر تخصصاً ، بالتنسيق مع المخابرات الحربية كما أسلفنا ، فيما أنهى محمد مرسى خدمته العسكرية واتجه لاستكمال الماجستير فى هندسة المواد فى القاهرة عام 1978 ، وهى الفترة التى انضم فيها للإخوان المسلمين ، ثم حصل على منحة لإكمال الدكتوراه فى نفس التخصص فى الجامعات الأميركية .

ويروى لواء المخابرات الحربية المتقاعد أحمد زاهر ، أن حلمى فى تلك الفترة كان قد وصل إلى “ناسا” ، حيث مختبراتها العلمية الواسعة وإمكانياتها الثمينة ، وما لبث أن إلتقى طالب الدكتوراه المصرى الجديد ، صديقه القديم محمد مرسى . لم يعلم حلمى عن انتماء مرسى للإخوان ، لذلك قيمه باعتباره عسكريا مصريا سابقا سيمثل إضافة نوعية لجهوده فى خدمة بلاده . لذلك سعى بكل ما أوتى من قوة ، لمساعدته فى إعداد رسالة الدكتوراه عن مواد حماية محركات المركبات الفضائية ، وهو مجال لم يكن ممكنا البحث فيه خارج “ناسا” ، أى جنباً إلى جنب مع حلمى .

بقى مرسى فى كاليفورنيا بعد الدكتوراه ، حيث عمل فى جامعة نورث ريدج وأصبح يقدم استشارات لوكالة “ناسا” من موضوعات رسالة الدكتوراه . ومع تطور الصداقة بينه وبين حلمى ، تمكن مرسى من معرفة بعض الخيوط عن الشبكة التى تضم حلمى والمهام التى يقوم بها ، وليس واضحا بعد إذا كان تجنيد مرسى لصالح الاستخبارات الأميركية تم مسبقا بهدف مراقبة حلمى ، أم أن عضوية مرسى فى حلقة الإخوان النشطة فى كاليفورنيا جعلته يتطوع لإبلاغ الأميركان ، سواء بهدف الانتقام من نظام مبارك أو الدفاع عن ملالى إيران .

لكن الثابت هنا أنه تم إبلاغ الأميركان بما لديه من معلومات عن حلمى ، علما بأن بعض المؤشرات تضع احتمال تجنيده من قبل الموساد الإسرائيلى ، وأن هؤلاء هم من أبلغوا الأميركان بالمعلومات التى حصلوا عليها من مرسى . ولعل هذا ما يفسر الاتهام الذى وجهه علنا عبد الستار المليجى القيادى السابق فى الإخوان ، لمحمد مرسى من أنه “عميل مزدوج” لكل من أميركا وإسرائيل .

كان ذلك فى العام  1985 ، لكن الأميركان لم يتصرفوا على الفور لأكثر من سبب ، فقد أرادوا معرفة حجم شبكة حلمى وما الذى تسعى إليه فعلا فى أميركا ، وثانيا أرادوا أن يعرفوا إلى أين وصل المشروع الفعلى فى كل من القاهرة وبغداد . واستنادا إلى كون مرسى قد خدم فى سلاح الحرب الكيماوية ، تم هنا تبادل للأدوار .

كان مرسى قد اكتشف أن أحد أفراد حلقة الإخوان ، قريب للطيار الذى يقود طائرة شحن مصرية تتولى نقل البعائث الدبلوماسية من سفارات وقنصليات القاهرة فى الأميركتين ، بما فى ذلك قنصلية لوس أنجلس التى يتم من خلالها إرسال المواد المطلوبة إلى حسام خير الله ، وحين أدرك هذه الحقيقة قام بتجنيده لكى يتابع مراقبة حلمى وخليته . أما مرسى نفسه فقد عاد إلى القاهرة ، على أمل الاستفادة من بحوثه فى “ناسا” للحصول على وظيفة فى الإنتاج الحربى ، تجعله أقرب إلى مشروع الكوندور واللواء خير الله .

لكن تقديرات المخابرات وتساؤلاتهم حول عضويته فى الإخوان منعته من ذلك ، فاكتفى بمقعد تدريسى فى الجامعة وبحوث متواضعة حول مواد حماية أنابيب الصرف الصحى .

أما العميل الجديد فى لوس أنجلس فتابع مراقبة حلمى ونشاطه ، من خلال رحلات طائرة قريبه إلى أن أوقع بهم جميعاً فى مارس  1986، لكن حلقة مكملة لنفس الشبكة استمرت فى العمل فى ولاية ميريلاند والعاصمة واشنطن حتى  1988، حيث اكتشفت وألقى القبض على بعض أفرادها فى تلك السنة .

لكن كيف عاد حلمى إلى مصر ؟ لعلكم تذكرون قضية التمويل الأجنبى لمنظمات المجتمع المدنى المصرية ، وأنشطة منظمات المجتمع المدنى الأميركية على الأراضى المصرية فى العام 2011 ، والتى تم فيها توقيف عدد من الأميركان ولم يلبث أن أفرج عنهم بصورة غامضة .

وغادروا مصر وطويت الاتهامات الموجهة إليهم . تنبه للمسألة مدير المخابرات الحربية المصرية اللواء وقتها عبد الفتاح السيسى ، فطرح على الأميركان فكرة مقايضة الموقوفين من أبنائهم بحرية الدكتور عبد القادر حلمى ، إضافة لملفات أخرى تمت تسويتها . ولكن من تفاوض عن الأميركان فى هذه المسألة ؟ فقط لعلم من يدافعون عن التمويل الأجنبى لمنظمات المجتمع المدنى ، وأنشطة منظمات المجتمع المدنى فى دولنا ، فإن مدير المخابرات المركزية الأميركية (سى آى ايه) بذاته هو من أبرم اتفاقية المقايضة تلك مع السيسى .

هنا يبرز أحد الأسئلة التى يهرب إليها الإخوان فى محاولة إنكار هذه القصة ، وهو التساؤل عن سبب عدم محاكمة مرسى على هذه الجريمة بين 1986 وحتى 2011 .. والحقيقة أن السبب واضح ومعروف ، فالرئيس الأسبق حسنى مبارك أمر ، وفور انكشاف القضية ، بإنكار أية علاقة للدولة والمؤسسات الرسمية المصرية بالموضوع ، والتصرف على هذا الأساس فى كل ما يتصل بالأمر .

وهذا أمر متوقع وطبيعى ، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار حجم المعونات الاقتصادية والعسكرية الأميركية لمصر ، التى كانت ستتعرض لخطر الإلغاء الكلى إذا اعترفت الدولة المصرية رسمياً أنها كانت وراء هذه العملية . وعملياً فإن محاكمة مرسى وقتها على دوره فى كشف العملية والتبليغ عن منفذيها ، كانت ستمثل اعترافاً رسمياً بها .

وقد استفاد مرسى من قرار حسنى مبارك هذا ، إلى حد أنه طيلة سنوات نشاطه فى مصر بين 1985 و 2010 ، لم يتم اعتقاله إلا مرة واحدة لمدة ستة شهور لم تصل للمحكمة ، رغم أنه كان يوصف بأنه من أكثر ناشطى الإخوان تحدياً للقانون ونظام مبارك ، وواضح أنه كان هنالك من يدرك الهدف الحقيقى وراء تصرفات مرسى تلك .

ويستحق الذكر هنا أن هنالك عدة مؤشرات قانونية وسياسية ، تؤكد دور مرسى فى تلك الجريمة البشعة ، أبرزها الخطأ الذى ارتكبه مرسى نفسه حين تفاخر علناً على قناة سى بى سى ، بعمله فى وكالة الفضاء الأميركية ناسا (التى كان يعمل فيها عبد القادر حلمى) ، ثم وعندما بدأت التقارير الصحافية تنتشر حول دوره فى اعتقال حلمى ، بدأ ينفى أنه قال ذلك وينكر أى علاقة له بناسا (كما قال على قناة الرحمة مثلاً)..

رغم وجود تسجيل فيديو بذلك ، ورغم أن سيرته الرسمية تزعم أن رسالة الدكتوراه التى يحملها هى فى تخصص مواد حماية محركات مركبات الفضاء ، ما يجعل هذا النفى مثيراً للكثير من الريبة والتساؤلات ، التى لا يمكن أن تكون أقل من جريمة بحجم جريمة تسليم عبد القادر حلمى . وينطبق هذا أيضاً على سيرته الذاتية فى مواقع الإخوان الرسمية ، قبل وبعد انتشار قصة حلمى ، حيث تم حذف المعلومات المتعلقة برسالة مرسى للدكتوراه وعلاقتها بناسا .

كما أننا عند العودة إلى أوراق القضية أمام القضاء الأميركى ، نجد أن المحكمة منعت الدفاع (حلمى ومحاميه) من الاطلاع على عدد من أدلة الإثبات لحساسيتها الأمنية (ما يعرف بالدليل السري لاحقاً)، وهذا الإجراء يطبق فى المحاكم الأميركية ، عندما لا يراد كشف العميل الذى قدم معلومات للقضية المنظورة أمام المحكمة ، علماً أن النيابة رفضت الكشف عن اسم المخبر السرى الذى سلم لها عبد القادر حلمى ، حتى فى التقارير التى نوقشت أمام الكونغرس .

واللافت هنا أنه عند إطلاق سراح عبد القادر حلمى قبل فترة وجيزة من انتخاب مرسى ، كانت التقارير الإعلامية تتداول فعلة مرسى المخزية بشكل واسع ، ومع ذلك لم يقبل حلمى أن يصدر أى تصريح يدافع فيه عمن كان صديقه لسنوات عدة فى كاليفورنيا ، وهنالك دلالة واضحة خلف هذا الرفض ، علماً أنه لم يكن ممنوعاً من التصريح لوسائل الإعلام .

لكن الدليل السياسى الأكثر إثباتاً هنا ، هو واقعة أن من تابع ملفات مرسى بعد تسلمه الرئاسة ، لم تكن الأجهزة الأمنية المدنية كالأمن الوطنى ، وإنما كل من المخابرات العامة والمخابرات الحربية ، وهاتان المؤسستان فى الغالب لا تتدخلان فى شؤون المدنيين إلا فى قضايا كبرى ذات علاقة بالأمن القومى لمصر ، وإلى حد قيامهما بمراقبة “الرئيس” مرسى وتسجيل اتصالاته . أما اللافت فعلاً فهو قيام جهاز المخابرات العامة بالتحول إلى وضعية الحماية الذاتية ، التى لا تطبق إلا فى حالة ارتكاب رئيس الجمهورية لجريمة الخيانة العظمى !

وهذا كله يعيدنا إلى السؤال الأساسى : ما الذى قام به الفريق السيسى فعلاً يوم 3 يوليو الماضى ؟ هل استجاب لإرادة شعب أم خلص وطنه من إيلى كوهين – النسخة المصرية ؟ أم انتقم لشرف الجيش المصرى ممن باع أسرار بلاده ؟ أم كل ما تقدم ؟!